فخر الدين الرازي

69

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مضرة مقرونة بالإهانة . قال بعضهم : الهون هو الهوان ، والهون هو الرفق والدعة . قال تعالى : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [ الفرقان : 63 ] وقوله : بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [ الأنعام : 93 ] وذلك يدل أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بسبب مجموع الأمرين الافتراء على اللَّه ، والتكبر على آيات اللَّه . وأقول : هذان النوعان من الآفات والبلاء ترى أكثر المتوسمين بالعلم متوغلين فيه مواظبين عليه نعوذ باللَّه منه ومن آثاره ونتائجه . وذكر الواحدي : أن المراد بقوله : وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ أي لا تصلون له قال عليه السلام : « من سجد للَّه سجدة بنية صادقة فقد بريء من الكبر » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 94 ] وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 94 ) [ في قوله تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى مسألتان ] [ المسألة الأولى في قوله وَلَقَدْ جِئْتُمُونا ] اعلم أن قوله : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى يحتمل وجهين : الأول : أن يكون هذا معطوفا على قول الملائكة أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ فبين تعالى أنهم كما يقولون ذلك على وجه التوبيخ ، كذلك يقولون حكاية عن اللَّه تعالى : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى فيكون الكلام أجمع حكاية عنهم وأنهم يوردون ذلك على هؤلاء الكفار ، وعلى هذا التقدير ، / فيحتمل أن يكون قائل هذا القول الملائكة الموكلين بقبض أرواحهم ، ويحتمل أن يكون القائل هم الملائكة الموكلون بعقابهم . والقول الثاني : أن قائل هذا القول هو اللَّه تعالى ومنشأ هذا الاختلاف إن اللَّه تعالى هل يتكلم مع الكفار أولا ؟ فقوله تعالى في صفة الكفار : وَلا يُكَلِّمُهُمُ * يوجب أن لا يتكلم معهم وقوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ الحجر : 92 ] وقوله : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [ الأعراف : 6 ] يقتضي أن أن يكون تعالى يتكلم معهم ، فلهذا السبب وقع هذا الاختلاف ، والقول الأول أقوى ، لأن هذه الآية معطوفة على ما قبلها ، والعطف يوجب التشريك . المسألة الثانية : فُرادى لفظ جمع وفي واحده قولان . قال ابن قتيبة : فرادى جمع فردان ، مثل سكارى وسكران ، وكسالى وكسلان . وقال غيره فرادى : جمع فريد ، مثل ردافي ورديف . وقال الفراء : فرادى جمع واحده فرد وفردة وفريد وفردان . إذا عرفت هذا فقوله : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى المراد منه التقريع والتوبيخ ، وذلك لأنهم صرفوا جدهم وجهدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين : أحدهما : تحصيل المال والجاه . والثاني : أنهم عبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها تكون شفعاء لهم عند اللَّه ، ثم إنهم لما وردوا محفل القيامة لم يبق معهم شيء من تلك الأموال ولم يجدوا من تلك الأصنام شفاعة لهم عند اللَّه تعالى فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا وعولوا عليه ، بخلاف أهل الإيمان فإنهم صرفوا عمرهم إلى تحصيل المعارف الحقة والأعمال الصالحة ، وتلك المعارف والأعمال الصالحة بقيت معهم في قبورهم وحضرت معهم في مشهد القيامة ، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى ، بل حضروا مع الزاد ليوم المعاد : ثم قال تعالى : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ نافع وحفص عن عاصم والكسائي بَيْنَكُمْ بالنصب ، والباقون بالرفع قال الزجاج :